ابن عربي

80

فصوص الحكم

ولهذا التفسير نظير في رأي الأشاعرة في خلق العبد لأفعاله ، وهو قريب أيضاً من رأى ملبرانش في صدور الأفعال الإنسانية وغيرها ، ومن النظرية الفلسفية التي تُعرف في العصر الحديث باسم نظرية الظروف أو المناسبات Occasionalism : ومعناها أن كل فعل إنما هو في الحقيقة لله ، ولكنه يظهر على نحو ما يظهر إذا تحققت ظروف خاصة - إنسانية أو غير إنسانية - حتى لكأنما يخيل إلينا أن الظروف هي التي أوجدته ، وفي الحقيقة لم يوجده سوى الله . وقد يقال : ولِمَ خُص « العارف » بهذا في نظرية ابن عربي وهو ميسور لكل إنسان ، بل لكل موجود ، إذ يُجري الحق على أيدي الموجودات ما يشاء ويفعل ما يريد بوساطتها ؟ والجواب على هذا أن الخلق الانساني يحتاج إلى جمعية الهمة : أي التوجه التام بقوى الإنسان الروحية في أعلى مظاهرها وأصفى حالاتها ، إلى خلق ما يريد خلقه أو تغيير ما يراد تغييره . ولا يتسنى ذلك إلا للعارف أو الإنسان الكامل كما يُسمى أحياناً . ولعل هذا هو المعنى الذي أشار إليه ابن عربي في قوله في الفص الخامس عشر : « وهذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلا ذوقاً كأبي يزيد حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ » . وقوله في الفص السادس عشر : « وإنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية وقد عاينا ذلك في هذا الطريق » . والوجه الثاني في فهم خلْق العارف هو الذي يشرحه المؤلف في عرض كلامه عن الحضرات الخمس . وهنا يفسر أيضاً كيف يحفظ العارف ما خلق من الأشياء . كل ما هو موجود إنما يوجد في حضرة أو أكثر من حضرة من الحضرات الخمس التي هي حضرة الغيب المطلق - أو حضرة الذات - وحضرة العقول ، وحضرة الأرواح ، وحضرة المثال ، وحضرة الحس . وقد سمَّى شراح الفصوص هذه الحضرات أو هذه العوالم بأسماء مختلفة ، ولكن لا أثر لهذا الاختلاف في